الشيخ عبد الغني النابلسي
143
كتاب الوجود
من الناس ، فلما أصبحت جاء رجل فقال : رأيت البارحة أن معك أوراقا ، فسألت عنها ، فقال لي قائل : إنها من علم أبى بكر الصديق رضي اللّه عنه ، فأخبرته بما كتبته وتعجبت غاية العجب ، فإن علم أبى بكر رضي اللّه عنه كان في حقيقة التوحيد وفي علم أسرار وحدة الوجود . ولهذا شهد له النبي صلى اللّه عليه وسلم بالفضيلة على من سواه من الصحابة - رضى اللّه عنهم أجمعين - حيث قال صلى اللّه عليه وسلم : « لم يفضلكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة ، ولكن بشيء وقر في قلبه » ، وفي رواية : « بسر وقر في صدره » . قال في النهاية لابن الأثير : « أي سكن فيه وثبت ، من الوقار والحكم والرزانة » انتهى . وهو علم حقيقة التوحيد بلسان الجمع الذي تتكلم به هذه الطائفة العارفون بربهم ، وهكذا كان مقام أبى بكر الصديق رضي اللّه عنه الذي فضل به ، وقال الشيخ محيي الدين بن عربى رضي اللّه عنه في الفتوحات المكية في الباب المائة والواحد والستين : « ليس بين محمد صلى اللّه عليه وسلم وبين أبى بكر رجل » انتهى . وفي الرياض النضرة للمحب الطبري ما نصه : « وعن عمر رضي اللّه عنه قال : كنت أدخل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو وأبو بكر يتكلمان في علم التوحيد ، فأجلس بينهما كأني زنجي لا أعلم ما يقولون » انتهى . وإنما كان الحال هكذا ؛ لأن هذا العلم لم يكن اتضح وتبين في زمان النبوة ؛ لأن اللّه تعالى لما أرسل محمدا صلى اللّه عليه وسلم إلى الأمة نبيّا ورسولا كان حكيما إلهيّا ، يبدأ بالأهم فالأهم في حق الأمة ، وكانت الأمة يومئذ جاهلية جهلاء ، وأمة عمياء ، لا يعلمون الخير من الشر ، ولا النفع من الضر ، وكانوا يومئذ جاهلية ، ومع ذلك قابلين للإيمان والإسلام ، وكانوا يعبدون الطواغيت والأصنام فأول من دعاهم إلى الإيمان باللّه تعالى وإلى عبادته ، وأقام لهم الحجج والبراهين على توحيد اللّه تعالى ، وآتاهم على صدق دعواه بالآيات والمعجزات كما فعلت الأنبياء والمرسلون قبله صلى اللّه عليه وسلم ، فإن الأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة والسلام - دعوا أممهم إلى توحيد اللّه تعالى ومعرفته ، والإيمان به وعبادته ، وجادلوهم بالأدلة والحجج على ذلك ، حتى قالوا حكى اللّه تعالى ذلك عنهم في القرآن